ماذا يحدث لتجربة المستخدم عندما يدرس باحث التصميم تحليل المساحة؟

قدّمتُ مؤخرًا أول حديث لي عن مساري المهني بعد عودتي من لندن وحصولي على درجة الماجستير الثانية لي. وما بدا واضحًا على الفور أن هناك نزعة بنيوية مألوفة: الحاجة إلى وضع الشخص، أو الممارسة، أو مجمل العمل داخل تصنيف واضح، أو دور محدد، أو مسمّى واحد. هذه النزعة، وما كشفته، دفعتني إلى التأمل لا في ما أفعله أو من أكون، بل في كيف أُعبّر عن تفكيري وأسرد منطقه.

كتب ليوناردو دافنشي: «تعلّم أن تتعامل مع الفنون كعلوم، ومع العلوم كفنون ونمِّ حواسك وخاصة القدرة على الرؤية.»

تجسّد هذه العبارة جوهر ممارستي بدقة تفوق أي مسمّى مهني. لا كاستعارة شاعرية بل توجّه منهجي.

بدأت خلفيتي التعليمية في كلية علوم الحاسب وإدارة المعلومات، ثم في مجال التفاعل بين الإنسان والحاسب. ثم مارست في ميدان العمل تصميم تجربة المستخدم وتصميم الخدمات، وعملت أيضًا في إدارة الابتكار. ومع احتكاكي بتجارب عملية كانت بطبيعتها هجينة، تتشكّل عبر قنوات رقمية ومادية في آن واحد، اتسع فضولي ليتجاوز الواجهات والأنظمة الرقمية نحو اتجاهات أخرى، من بينها المساحة ذاتها: كيف تُشكّل البيئات، ولا سيما تلك المعزَّزة رقميًا، السلوك الإنساني، والإدراك، والمعنى.

اتبعت هذا الفضول عن قصد. لم أهجر تخصصًا لآخر، ولم أغيّر مساري. بل كل خطوة أضافت عدسة إضافية.

وتكمن فائدة هذه العدسات المتنوّعة في أنها توسّع مجال الرؤية وتمنح القدرة على قراءة التجربة بوصفها كُلًا مترابطًا، لا سلسلة ممارسات منفصلة.

عندما تعمل معي، سواء بالتوظيف، أو التعاون، أو في مقابلة، فأنت لا تتعامل مع تخصص واحد، بل مع توليفة. يمكنني التحدث بطلاقة عن أي مجال بعينه عندما يقتضي السياق ذلك، لكن القيمة التي أقدّمها لا تسكن داخل تصنيفات منفصلة مثل «التجربة الرقمية» أو «التجربة المادية». بل تنشأ في المساحة الفاصلة بينهما، حيث تُفهم الأجزاء والكُل في آن واحد، لا بوصفها مكوّنات منفصلة، بل كنظام متكامل.

ويتطلب ذلك موقعًا إشرافيًا واستشرافيًا أعلى من التخصصات الفردية، موقعًا يتحمّل مسؤولية تحقيق الاتساق عبر التجربة الرقمية، والمادية، والتنظيمية، بما يضمن ألّا تتنافس الأعمال الرقمية والمادية أو تتجزأ، بل أن تندرج ضمن منطق مشترك للاستخدام، والمعنى، والسلوك. ومن هذا الموقع، لا يقتصر دوري على الربط بين المجالات، بل على تحمّل مسؤولية الاتساق واتخاذ القرار حين تتعارض العدسات.

وللاستعانة باستعارة: عندما نغزل سجادة، فإن كثرة الخيوط لا تعني التشتت، ولا قيمة في عزل الخيوط المفردة، بل تكمن القيمة والصورة النهائية في كيفية النسج.

بين الثنائية المفروضة في السوق بين «العام» و«المتخصص»، توجد وضعية أخرى ثالثة برأيي. أستعير هنا مفهوم الإحاطة، وأصف هذه الممارسة بأنها ممارسة إحاطية. وهذه الممارسة لا تعني غياب الخبرة، ولا الاكتفاء بمعرفة عامة في مجالات متعددة، بل تشير إلى نمط من الحذَاقة الفكرية؛ أي القدرة على الجمع بين العمق المنهجي واتساع مجال الرؤية في آن واحد.

وهي استجابة لما يضيع داخل الأقسام المؤسسية التي تتصرف كصوامع. ما يضيع هو السردية بين الأنظمة، والأنماط، والآثار من الدرجة الثانية التي لا يمكن رؤيتها من داخل قسم مؤسساتي واحد. ويستند هذا الفهم للإحاطة إلى تصور معرفي يميّز بين امتلاك المعرفة داخل إطار واحد، وبين الإحاطة بسياق أوسع لا يُدرك من موقع واحد (Epistemic Encompassment).

فبذلك يمتلك صاحب المنهج الإحاطي القدرة على الانتقال من العمق إلى الاتساع ثم العودة مجددًا بمرونة. هذه الحركة ليست فضفاضة ولا غير منضبطة، بل تمتد عبر المجالات دون أن تفقد شدّها. ولا يكون هذا التمدد ممكنًا إلا لوجود مادة ومرونة في الجوهر. التخصص هو نقطة الارتكاز، والإحاطة هي مدى الرؤية والحركة اللازمة لسياق معين. لذا لا يعود بمقدرتنا وصف هذا على أنه خبرة عامة، بل هو نمط مختلف من الحذَاقة الفكرية.

إن المفكرين الذين يتسمون بالشراكة الفكرية العالية ومتعددي التخصصات يقدّمون قدرًا من الالتباس. تميل الأسواق إلى مقاومته، وتتحمّله المؤسسات فقط حين يمكن تغليفه وصنع منتج جاهز منه. وغالبًا ما يحتفي به المجتمع لاحقًا بعد أن يصبح آمنًا. ويقع عملي اليوم داخل هذا التوتر.

لا أسعى إلى إخفاء التناقضات أو التشظيات الفكرية، ولا يمكنني، بصفتي باحثة، الادعاء إلا أن ما أقوم به هو شيء تجريبي. بل أُظهره عن قصد وتصميم. فالتكامل لا يتحقق بتجاهل التعقيد، بل بفحص المواضع التي لم تكتمل بعد وطرح سؤال: لماذا؟ وعمليًا، يترجم هذا النهج إلى قرارات، وهياكل، وتجارب تُوائم بين الاستراتيجية، والمكان، والتقنية، والسلوك الإنساني ضمن قيود واقعية.

تتطلب الإحاطة صدقًا مع التعقيد، لا أداءً زائفًا للاتساق. الإحاطة هنا مفهوم يعمل لغويًا ومعرفيًا عبر العربية والإنجليزية معًا دون فقدان دقته الدلالية.

لا أمانع استعمال أي مصطلح يسهل التواصل، ولكني لا أرغب في أن أُحصر داخل مسمّى يفرض تبسيطًا واختزالًا يزيّف الواقع في سبيل البقاء في المألوف.

هل مررت بتجربة اضطررت فيها إلى تبسيط ما تعرف أنه أعقد من أن يُختزل؟ وكيف أثّر ذلك على عملك أو دورك؟

Areej Abdulaziz

Areej Aljarba is a creative writer, visual artist, and UX professional.

https://www.areejalution.com/
Previous
Previous

قبل أن نتحدّث عن الهوية العربية في التصميم: ما الذي نعنيه حقاً بمنهجية التصميم؟

Next
Next

What happens to UX when a design researcher studies space?