قبل أن نتحدّث عن الهوية العربية في التصميم: ما الذي نعنيه حقاً بمنهجية التصميم؟
كثيرًا ما يُطرح سؤال “الهوية” في التصميم العربي، ويُجاب عنه بالعودة إلى الأشكال: الخط، الزخرفة، الهندسة، اللون ولكن هذا المسار، رغم حسن نيّته، يتجاوز سؤالًا أكثر جذرية لم نواجهه بعد بوضوح
ما الذي نبحث عنه؟
يحدث خلط واسع حتى بين المتخصصين بين ثلاثة مفاهيم محورية في التصميم
منهجية التصميم
أسلوب التصميم
المدرسة الجمالية
وهذا ليس بخلطً لغويٍ وحسب، بل خلط معرفي، وتترتّب عليه طريقة عمل كاملة … لنبدأ
ما هي منهجية التصميم؟
منهجية التصميم ليست ما نراه، بل ما يسبق الرؤية فهي الإطار غير المرئي الذي ينظّم طريقة تفكير المصمّم قبل اتخاذ أي قرار شكلي. بالتالي، هي الطريقة التي نعرّف بها المشكلة، ونحدّد القيود، ونقرّر ما الذي يستحق أن يُصمَّم أصلًا
المنهجية لا تسأل
كيف يبدو هذا التصميم؟
بل تسأل … لماذا نُصمّم؟ لمن؟ وتحت أي افتراضات فكرية وأخلاقية؟
بهذا المعنى، منهجية التصميم أقرب إلى فلسفة ممارسة منها إلى تقنية تنفيذ وهي عملية يمكن تعليمها، ونقلها، وتطبيقها على تصميم رقمي، منتج، خدمة، نظام، أو واجهة رقمية لا على العمارة والزخرفة فقط كما نرى عادةً
ما هو أسلوب التصميم؟
أسلوب التصميم هو أثر القرار، لا سببه وهو اللغة البصرية الناتجة عن سلسلة من الاختيارات: ألوان، خطوط، تكوينات، مواد تكونيه
الأسلوب يقول
هكذا يبدو التصميم
أما المنهجية فتقول
هكذا نفكّر عندما نصمّم
وبالتالي يمكن للأسلوب أن يُستعار أو يُقلَّد أما المنهجية فلا تُقلَّد، لأنها ناتجة عن وعي، وتجربة، وسياق. لذلك، التشابه في الأسلوب لا يعني بالضرورة تشابهًا في التفكير وهذه مفارقة مهمة
ما هي المدرسة الجمالية؟
المدرسة الجمالية هي اتفاق ضمني ومتغيّر حول معنى الجمال في زمن ومكان محدّدين وهي تعبير جماعي عمّا يُعتبر منسجمًا، تقدميًا، أو مقبولًا بصريًا
المدرسة الجمالية لا تشرح كيف نصل إلى التصميم، بل تفترض شكل النهاية
هي تقول
هذا جميل
ولا تقول بالضرورة
كيف ولماذا وصلنا إلى هذا الجمال
لماذا هذا التفريق ضروري؟
لأن الخلط بين هذه المفاهيم يقود إلى نتائج خطيرة
تحويل التصميم إلى تقليد بصري -
اختزال “الهوية” في زخرفة -
استيراد أساليب جاهزة دون مساءلة منهجية -
فقدان القدرة على بناء ممارسة تصميم واعية من الداخل -
فحين نختزل التصميم في مظهره، ننسى أنه فعل تفكير قبل أن يكون فعل تشكيل
هل نملك اليوم منهجية تصميم عربية صريحة؟
إذا قصدنا بمنهجية التصميم إطارًا واضحًا، مُقنَّنًا، قابلًا للتعليم والتطبيق المعاصر
فالجواب الصريح هو: لا
ولكن هذا لا يعني غياب فلسفة تصميم عربية بل يعني أن ما نملكه لم يُصَغ بعد بوصفه طريقة تفكير، بل جرى التعامل معه بوصفه مخزون أشكال.
ما لدينا اليوم غالبًا أحد ثلاثة أشياء
تراث بصري غني (وهو أسلوب لا منهجية) -
خطاب هوية شكلي (غالبًا ردّ فعل ثقافي) -
قراءات جزئية للتراث لم تتحوّل بعد إلى نظام تصميم متكامل -
خلاصة
إذا كان التصميم لغة
فالأسلوب هو لهجتها
والمدرسة الجمالية هي عصرها
أما المنهجية… فهي طريقة التفكير التي تقرّر ما الذي يستحق أن يُقال أصلًا
هذا التفريق ليس تمرينًا نظريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي حديث جاد عن “الهوية” في التصميم لأن السؤال الحقيقي ليس: كيف نُظهر تراثنا؟ بل كيف نفكّر من داخله؟
في المقال القادم، لن أتحدّث عن الأشكال أو الزخارف بل عن ممارسات ثقافية شكّلت طريقة تفكير تصميمية، ممارسات ما زالت قادرة على إلهام التصميم المعاصر، إذا قرأناها كمنهج لا كتغني شاعري أو خطابي
وإن كنت مصمّمًا، أو باحثًا، أو ممارسًا
فما المبادئ أو الدروس التي شكّلت طريقتك في التفكير التصميمي؟
شاركني بها فالمقال القادم ليس إجابة جاهزة، بل حوار مفتوح