عودة جيل الطيبين ... الانالوجيا في ال ٢٠٢٦
تنويه: أي ذكر لأي شركات، أو منصات، أو منتجات، أو أنماط جمالية محددة في هذا المقال هو لغرض الوصف والملاحظة والتحليل فقط. ولا يُقصد به الترويج أو التوصية أو النقد. تُستخدم الأمثلة حصريًا لتوضيح التغييرات الثقافية والسلوكية والتصميمية التي يناقشها المقال
لدينا شعور بعدم الارتياح نحسه كلما فتحنا جوالاتنا دون أن نعرف السبب، عندما نقلب بين ال ريلز دون أن نتذكر ما رأيناه من لحظات، عندما تذوب الساعات داخل تطبيقات وعدتنا بالتواصل لكنها تمنح القليل منه. بالنسبة لكثير منا، لم يعد الأمر مجرد أننا نقضي وقتاً طويلاً على هذه التطبيقات، بل تحول شعورنا لأثر حقيقي فنحس بأن الشاشات تقودنا بدل أن نقودها. ما نحصل عليه منها هو تحفيز بلا إشباع. حضور بلا ذاكرة. نوع من الخدر العاطفي يصعب تسميته، لكن من السهل التعرف عليه. وما وصفت هو حالة شعورية تتراكم منذ سنوات. وقد درست وأعطيت اسماً فجهات نفسية وصحية عامة كثيرة وصفت سلوكيات مثل التمرير القهري (Doomscrolling) والإرهاق الرقمي باعتبارها أنماطًا مرتبطة وتزيد التوتر والقلق والكآبة والإجهاد العاطفي
التمرير القهري
(Doomscrolling)
التمرير القهري (تقليب بين المنشورات والريلز.. إلخ دون نهاية) ليس له علاقة حقيقية بالبحث عن المعلومات، بل إبقاء المستخدم في حالة حركة عبر جعل التوقف غير مريح فيصبح هو نمط سلوكي لا يتشكل بالاختيار بقدر ما يتشكل عبر تصميم التجربة والواجهات
والآن، في عام ٢٠٢٦، يبدأ شيء ما في التحوّل في المشهد
نرى حديثًا متزايدًا عن العودة إلى مشغلات الأقراص المدمجة (سي دي) وأشرطة الكاسيت، عن اختيار الوسائط المادية مجددًا، أو تخصيص أيام كاملة بلا شاشات. وعند النظر إلى هذه الظواهر عن قرب، لا تبدو كحنين "لأيام زمان" وحسب كما رأيناه في الأجيال السابقة. وليس أيضًا رغبة في التخلي عن التكنولوجيا بالكامل. ما يظهر بدلًاً من ذلك هو تساؤل أكثر وعيًا. توقف للتأمل وإعادة التقييم. وهذا التساؤل بدأ ينعكس على الثقافة، والتصميم، والفن، والسلوك (Analog) اليومي بطرق تبدو… انالوجية
بشكل واضح
العصر الانالوجي (الموسم الثاني) في طور التشكّل دعوني أُريكم المشهد
المشهد الأول: عندما أصبح العالم الرقمي ثقيلاً
لفترة طويلة، بدا العالم الرقمي لأغلب المستخدمين كشيء تجريدي. فالسحابة كانت في مكان بعيد. البيانات بدت غير محدودة. كل ما هو على الإنترنت بدا بلا وزن. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ هذا الوهم بالتصدّع. مع توسّع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت البنية المادية خلفها أكثر وضوحًا. مراكز البيانات التي تشغّل الخدمات السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء
وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات بشكل كبير في عام 2026، مدفوعًا بأحمال الذكاء الاصطناعي والحوسبة واسعة النطاق. وفي الولايات المتحدة، أفادت وزارة الطاقة بأن مراكز البيانات باتت تمثل نسبة متزايدة من الاستهلاك الوطني للكهرباء، مع توقعات بتسارع هذا النمو ليصل إلى في ٢٠٢٧ إلى مستويات تقارن باستهلاك دول. بل أن هذا الاحتياج، كبير لدرجة أنه لا يُنظر إليه كتفصيل تقني، بل أصبح هناك حاجة لبنية تحتية متخصصة. تدور نقاشات علنية حول كيفية توسيع شبكات الكهرباء لدعم مراكز البيانات، ومن سيتحمل هذه التكلفة، وهو نقاش بدأ يظهر بوضوح في التغطيات الإعلامية
لكن الكهرباء ليست سوى جزء من القصة
تعتمد العديد من مراكز البيانات على أنظمة تبريد مائية لمنع ارتفاع الحرارة، وغالبًا تستخدم مياه صالحة للشرب. قدّر باحثون من جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، أن تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة قد يتطلب كميات كبيرة من المياه العذبة، ما سلط الضوء على مورد لم يكن الناس يربطونه سابقًا بالمنتجات الرقمية (“Making AI Less Thirsty,” Li et al.: https://arxiv.org/abs/2304.03271)
كما حذرت منظمات بيئية وطاقة من أن بعض هذه المنشآت تستهلك مياهًا بحجم استهلاك مدن صغيرة
فجأة، لم يعد ما هو رقمي بلا وزن. ما كان يبدو افتراضيًا أصبح مرتبطًا بالأرض، والكابلات، وأنظمة التبريد، ومحطات الطاقة، وأنابيب المياه."السحابة" إذن تبدو أقل تجريدًا وأكثر مادية وبدأت كلفتها تصل للفواتير. بالنسبة لكثير من المستخدمين، غيّر هذا الإدراك علاقتهم بالتكنولوجيا بهدوء. عندما يصبح لكل طلب، وكل بث، وكل نموذج تكلفة مادية، يتوقف العالم الرقمي عن كونه غير مرئي. يصبح شيئًا ملموسًا… مشتركًا ويستهلك موارد جماعية. وعندما تتحول التكنولوجيا إلى بنية تحتية، يبدأ الناس في مساءلتها بطريقة مختلفة. ليس بالخوف… بل بالوعي
المشهد الثاني: عندما لا يُعرف ما هو حقيقي
في الوقت نفسه الذي أصبح فيه العالم الرقمي أثقل، أصبح أيضًا أقل موثوقية. فيمكن توليد الصور خلال ثوانٍ. يمكن تزوير الفيديوهات بإقناع كبير. يمكن استنساخ الأصوات والوجوه بدقة مقلقة. ما كان يُعد دليلًاً قبل كصورة والتسجيل والفيديو لم يعد يحمل الوزن ذاته. ولم يعد هذا التحول نظريًا. في بداية ٢٠٢٦، أُبلغ على نطاق واسع عنGrok روبوت المحادثة المدمج في منصة X فقد استخدم من قبل مستخدمين كثر لتوليد صور مُعدلة بأوضاع غير مقبولة (The Verge; Reuters).لأشخاص حقيقيين دون موافقتهم، ما أثار ردود فعل عامة وتدقيقًا تشريعاً
وليست الصورة وحسب، فقد استُخدم استنساخ الصوت بالذكاء الاصطناعي في محاولات انتحال ومضايقات، ما دفع الجهات التنظيمية إلى التدخل في الولايات المتحدة وأعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية أن الأصوات المولدة بالذكاء الاصطناعي في المكالمات الآلية أنها غير قانونية ويرينا هذا بمدى سهولة استغلال (FCC).الثقة عندما لا يعود الصوت موثوقًا.
بالنسبة للمستخدمين، تتراكم هذه اللحظات بصمت أثناء متابعة الأخبار. فإذا كانت الصورة قابلة للتزوير، والصوت قابلًا للاستنساخ، فما معنى “الحقيقي” على الإنترنت؟ الشاشات التي كانت توثّق التجربة باتت تحمل علامة استفهام غير معلنة. استجابةً لذلك، بدأ كثيرون يقدّرون ما لا يمكن توليده أو تعديله. الوجود في المكان أصبح أكثر أهمية. الرؤية بالعين استعادت قيمتها. اللحظات المشتركة باتت أكثر أمانًا من المحتوى المشترك.هذا ليس خوفًا من التكنولوجيا. بل إعادة معاينة للثقة
وحين تتغير الثقة، يلحقها السلوك
المشهد الثالث: البيانات والموافقات ووهم السيطرة
مع تصاعد عدم اليقين حول ما يراه المستخدم ويسمعه، يتعمق شعور آخر لديه:أن المشاركة في العالم الرقمي لم تعد طوعية. كما يظن. ومع إصرار معظم المنصات على أن المستخدم يملك بياناته ووجود لوحات الخصوصية والإعدادات الكثيرة إلا أن المستخدم أدرك أن هذه السيطرة شكلية لا أكثر
بدأ المشرّعون في دول غربية بوصف تصميم المنتجات الرقمية على أنه مضلل في حالات وصلت للقضاء، مشيرين إلى واجهات تدفع المستخدمين لمشاركة المزيد من البيانات، بينما تجعل الرفض صعباً أو مرهقًا. وحذرت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية من أن "أنماط التصميم المظلمة" تُستخدم على نطاق واسع للتأثير (FTC).على سلوك المستخدم مع الحفاظ ظاهرياً على وجود شكلي للاختيار
هذه الفجوة بين ما تعد به المنصات وما يختبره المستخدمون أدت إلى تآكل الثقة تدريجيًا بين المنصات الرقمية والمستخدم. فيتطلب الانسحاب (ترك هذه المنصات) جهدًا، وفهم السياسات يتطلب وقتًا وبحثاً، وحتى عند تعديل الإعدادات، نادرًا ما يشعر المستخدم أن ذلك يغير ما يحدث فعلًاً خلف الكواليس. زاد هذا التوتر مع توسع الشركات في استخدام المحتوى الشخصي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. أعلنت شركات مثل Meta عن خطط لاستخدام بيانات (Associated Press; Reuters).المستخدمين العامة دون الاحتياج لأية موافقة مما أثار انتقادات واسعة في أوروبا
بالنسبة لكثيرين، لم تكن المشكلة في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في مفهوم "الموافقة" بدى للمستخدم أن موافقته بمشاركة بياناته باتت مفترضة والاعتراض على ذلك أصبح الاستثناء. وفي الوقت نفسه، واصلت تسريبات البيانات الكبرى كشف معلومات شخصية، ما عزز الشعور بأن البيانات، بمجرد (U.S. National Public Data breach overview).دخولها الأنظمة الرقمية، نادرًا ما تبقى محمية
لم يولّد هذا غضبًا صاخبًا. عند المستخدمين، بل شيئًا أكثر هدوءًا: انسحاباً. عندما تصبح ملكية بيانات المستخدم ملكية شكلية على الورق أكثر منها فعلية، تتحول المشاركة إلى معاملة وتصبح الثقة مشروطة وبالتالي يقرر المستخدم تقليل التعرض وعدم التفاعل. وهنا يبدأ الناس بالتراجع … لا بشكل درامي، بل انتقائي. ليس بمغادرة العالم الرقمي بالكامل، بل بمحاولة منحه قدرًا أقل من أنفسهم
المشهد الرابع: الانسحاب الانتقائي وتقليل الضرر قدر المستطاع
معظم الناس لا يغلقون حساباتهم، ولا يرمون هواتفهم، ولا يرفضون التكنولوجيا كليًا. بل يعيدون تشكيل علاقتهم بها. هذا المنطق أقرب إلى تقليل الضرر منه إلى التصدي المباشر. نراه في تحولات صغيرة لكنها ذات معنى. استبدال الأدوات الافتراضية بأخرى تجمع بيانات أقل. تقليل عدد المنصات المستخدمة. خفض التعرض للخوارزميات بدل إلغاء الحياة الرقمية. هذه السلوكيات تفاوضية
فعندما يقرأ المستخدم تحقيق كتحقيق صحفية بمنصة ٤٠٤ ووايرد كشفت أن أكثر من 12 ألف تطبيق للهواتف المحمولة كانت تجمع وتسرّب بيانات الموقع الجغرافي بدقة، غالبًا دون معرفة وموافقة من المستخدمين. وأظهرت التقارير أن هذه البيانات كانت تُباع أو تُشارك أو تُترك دون حماية كافية بشكل روتيني، مما عزز الإحساس بأن المعلومات، بمجرد دخولها الأنظمة الرقمية، تفقد السيطرة عليها بسرعة. ومع ازدياد الوعي عند المستخدمين ، هذا الانسحاب أصبح فعلاً براغماتياً. وتزامن هذا التحول مع نمو واضح في المنتجات الموجهة نحو الخصوصية
متصفح Brave، الذي يتموضع حول حجب أدوات التتبع وتقليل المراقبة بشكل افتراضي، تجاوز حاجز 100 مليون مستخدم نشط شهريًا في عام 2025، ما يشير إلى أن عددًا متزايدًا من الناس يختارون بوعي أدوات صُممت لتستخرج منهم أقل قدر ممكن من البيانات (The Verge)
وبالتوازي، اكتسبت ممارسات مثل “إزالة غوغل من الحياة اليومية” (De-Googling) حضورًا متزايدًا.
بالنسبة لبعض المستخدمين، يعكس ذلك قرارًا قائمًا بوضوح على القيم. فعندما لا تعود سياسات الشركات، أو ممارساتها المتعلقة بالبيانات، أو مواقفها الأخلاقية منسجمة مع القناعات الشخصية، يبدأ الاستمرار في الاستخدام بالشعور بعدم الارتياح. تصبح المغادرة وسيلة لسحب الدعم، حتى وإن كانت العملية تدريجية وغير مثالية
في هذا السياق، الانسحاب الانتقائي لا يتعلق بالسيطرة الكاملة فالمستخدم يدرك أنه في نظام أكبر منه بل أصبح شكل من أشكال بالمواءمة.تقليل الاعتماد. خلق مسافة. والمشاركة بوعي أكبر داخل أنظمة بات من الصعب الوثوق بها بشكل متزايد.
مثال: أهداف العام الانالوجي
نجد مثالًا على هذا التوجه في محتوى الدكتورة أفريل إيبس عبر حسابها على إنستغرام. وهي باحثة في علم الاجتماع الحاسوبي وأستاذة مساعدة في جامعة كاليفورنيا – ريفرسايد. في الوقت نفسه، أصبحت الخصوصية نفسها قوة بنيوية تشكّل النظم الرقمية.
وحتى على مستوى الخصائص أصبحت الخصوصية نفسها قوة بنيوية للنظم الرقمية مثل ميزة الشفافية في تتبع التطبيقات
(App Tracking Transparency) من آبل حدّت بشكل كبير من التتبع بين التطبيقات وهذا التأثير وثّقه اقتصاديون وهيئات تنظيمية على حد سواء (ورقة بحثية حول تأثير ATT) كما أن ما تبع ذلك من دعاوى قانونية ونقاشات حول مكافحة الاحتكار يعكس مدى التوتر القائم حول جمع البيانات اليوم (Reuters)
المهم هنا ليس الأدوات التي يختارها الناس. بل النية الكامنة خلف الاختيار. الناس يدركون أن هذه التغييرات جزئية. استخدام متصفح مختلف لا يجعل الشخص غير مرئي. وإيقاف إعداد معيّن لا يضمن الحماية الكاملة. لكن التقليل يبدو ممكنًا. بدل طرح سؤال: “كيف أخرج من هذا النظام بالكامل؟” يبدأ سؤال آخر بالظهور: كيف أشارك فيه بدرجة أقل حدّة؟” هذا التحول في طريقة التفكير دقيق، لكنه عميق الأثر. فهو يعكس رغبة متزايدة في امتلاك قدر من الوكالة داخل بيئات تبدو أكثر فأكثر قائمة على استخراج البيانات. ومع بدء الناس بتقليل كثافة حضورهم الرقمي، يصبح شيء آخر ملحوظًا يبدؤون في البحث عن تجارب تبدو أكثر امتلاءً في أماكن أخرى
المشهد الخامس: الأجهزة كإشارة في المشهد، لا كعودة
هذه التحولات لا تظهر فقط في البرمجيات بل تظهر أيضًا بهدوء أكبر في الأجهزة. خلال السنوات القليلة الماضية، عاد الاهتمام بأجهزة تختار عمدًا أن تُقلّل الوظائف بدل أن توسّعها. هواتف بسيطة، أجهزة تقلّل عوامل التشتيت وأجهزة تضع “التواصل” في الأولوية قبل أي شيء آخر. هذه الأجهزة بدأت بالعودة للظهور، وغالبًا لا تُقدَّم بوصفها بديلًاً للهواتف الذكية، بل مكمّلًا لها. عودة الأجهزة على نمط BlackBerry تُعد مثالًا دالًاً على ذلك. دخلت إلى السوق هواتف أندرويد جديدة بلوحات مفاتيح، وتُقدَّم بشكل واضح على أنها تعطي الأولوية للرسائل والبريد الإلكتروني بوصفهما استخدامات أساسية (The Verge
الفكرة هنا أن الهاتف يُعاد تعريفه كـ أداة تواصل وأن يكون بإمكانك حصر الجهاز في عدد محدود من التطبيقات الأساسية عندما تريد مساحة هروب من هاتفك الرئيسي.
الصورة: Clicks
المهم هنا ليس حجم السوق. فهذه الأجهزة ما زالت محدودة الانتشار. المهم هو ما تمثله. في هذه اللحظة من الزمن داخل هذا المشهد
المشهد السادس: التجربة في العالم الواقعي كقيمة فريدة للمنتج الرقمي
مع شروع الناس في تقليل كثافة حضورهم الرقمي، يبدأ تحول موازٍ بالظهور فيما يبحثون عنه بدلًا من ذلك. فبدل قضاء وقت أطول على الإنترنت، بات كثيرون يبحثون عن طرق لاستخدام الأدوات الرقمية فقط للوصول إلى مكان آخر. نرى ذلك بوضوح في الطريقة التي تُستخدم بها المنصات المعنية بالفعاليات والتجارب. منصات اكتشاف الفعاليات بدأت تتموضع بشكل متزايد كوسائط لتسهيل الحضور، لا كوجهات للتصفح المستمر
وتُظهر تقارير الترندات طلبًا متزايدًا على التجمعات الصغيرة والمحلية والحضورية، تلك التي تعطي الأولوية للتجربة المشتركة على حساب الحجم أو الانتشار أو “القابلية للانتشار السريع (تقرير الترندات – Eventbrite )
وفي الوقت نفسه، نشهد عودة واضحة لمساحات يقودها المجتمع وتوجد خارج منطق التطبيقات الاجتماعية والمتابعين كنوادي الجري، ونوادي القراءة، ومجموعات المشي، ولقاءات الرسم، والدوائر الإبداعية غير الرسمية جميعها عادت لتؤدي دورًا اجتماعيًا محوريًا، مقدّمةً التواصل دون "أداء" أو "استعراض."وقد وصفت تغطيات ثقافية وتجارية هذا الإحياء لما يُعرف بـ "المساحات الثالثة" غير المتصلة بالعمل أو المنزل، باعتباره استجابة لتفكك الحياة الرقمية وشعور العزلة الذي صاحبها. وما يلفت الانتباه هنا أن كثيرًا من هذه التجارب لا تُقدَّم بوصفها معادية للتكنولوجيا. فالأدوات الرقمية ما تزال تُستخدم للتنظيم، والتنسيق، والاكتشاف. لكن القيمة لم تعد تكمن في المنصة نفسها، بل في الحضور. هذا التحول بدأ ينعكس أيضًا على طريقة تصميم بعض المنتجات الرقمية
الانتقادات المتزايدة للتقليب اللانهائي والواجهات القائمة على زيادة التفاعل دفعت المصممين والكتّاب إلى التساؤل عمّا إذا كان “المزيد من الوقت” هو فعلًا مقياس النجاح الصحيح. وكما تشير كتابات وتحليلات في مجال التصميم والتكنولوجيا، هناك اهتمام متزايد بمنتجات لا تشجع على الاستهلاك المستمر، بل تدعم استخدامًا قصيرًا، مقصودًا، ومحدودًا
مجتمعةً، تشير هذه الإشارات إلى إعادة تعريف دقيقة للقيمة. في عالم أصبح فيه المحتوى لا نهائيًا، تصبح التجربة في الواقع نادرة. وعندما تصبح نادرة، تبدأ باستعادة معناها
المشهد السابع: علامات وإشارات في التصميم والعلامات واللغة البصرية
مع تغيّر السلوكيات، يبدأ التصميم بالتغيّر معها. في المنتجات الرقمية وتجارب العلامات التجارية، نبدأ في ملاحظة ابتعاد تدريجي عن الكمال البصري والمبالغة في التحسين. لم تعد الواجهات تسعى فقط لأن تكون "سلسة بلا أي تعرجات" ولم تعد الأنظمة البصرية تعطي الأولوية للتصاميم المصقولة. بدلًا من ذلك، نرى أن الملمس، والهوية، والحضور الإنساني يعود إلى مساحات كانت تُصمَّم سابقًا بوصفها وظيفية بحتة. يمكن ملاحظة مثال واضح على ذلك في الطريقة التي تتعامل بها بعض العلامات الفاخرة والثقافية مع التصميم الرقمي. مؤخراً، أطلقت Hermès تجربة رقمية مبنية على رسوم يدوية الصنع، بدل الاعتماد على صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي أو أصول فائقة الواقعية
وقد وصفتها منشورات التصميم بأنها تجربة تحريرية وإنسانية عن قصد، تبرز الحِرفة والسرد واللا اكتمال البصري كوسيلة للتميّز
ما يجعل هذا المثال مهمًا ليس الجمالية بحد ذاتها، بل ما الذي يعبّر عنه. في لحظة أصبحت فيها الصور المولّدة متوفرة بكثرة، متقنة تقنيًا، وسهلة الإنتاج الفوري، يصبح اختيار الرسم اليدوي موقفًا واضحًا من مفهوم "الملكية الإبداعية"
إنه يرسل إشارة مفادها: هناك من صنع هذا. قُضي وقت. واتُّخذت قرارات عن قصد. يظهر التفكير هذا أيضاً في هويات بصرية تعتمد على تصوير غير مثالي، أو صور بكاميرات فورية، أو عناصر مرسومة يدويًا، حيث يُستخدم الأثر والذاكرة كمرتكز عاطفي بدل إخفاء عدم الانتظام(Creative Bloq)
حتى عودة جمالية Gen X Soft Club تُعد إشارة دالّة بحد ذاتها. بعض التغطيات في الموضة والثقافة تصف هذا الأسلوب بوصفه لحظة قصيرة من أواخر التسعينيات وبدايات الألفية، يُعاد اليوم تسميتها وإعادة تداولها من قبل جيل Z، وغالبًا ما تُقدَّم بوصفها "الأخت الهادئة"لجمالية Y2K الأكثر صخبًا (شرح (Fashionista explainer)
ويمكن ملاحظة كيفية ترجمة هذه الجمالية وانتشارها عبر المنصات الاجتماعية في الزمن الحقيقي
حساب The Digital Fairy على تيك توك، وهو وكالة إبداعية مقرها المملكة المتحدة، نشر تحليلات لهذا الأسلوب، حيث تصبح الجمالية أقل أهمية كتعريف،
وأكثر أهمية كإشارة لكيفية إحيائها، تبسيطها، وإعادة تدويرها بصريًا داخل الثقافة الرقمية
Gen X Soft Club
يشير مصطلح “Gen X” إلى الفئة الجيلية المستهدفة، بينما يشير “Soft Club” إلى الصورة الحضرية والمُهذّبة لثقافة النوادي التي سعت إلى مخاطبة الشباب في التسعينيات. تتميّز هذه الجمالية بألوان باردة ومطفأة، خصوصًا الأزرق والأخضر والرمادي، وغالبًا ما تُدمج بعناصر تقنية أو إشارات إلى المستقبل، من خلال الخطوط، والمشاهد الحضرية، والتأثيرات البصرية مثل التمويه والتبييض
وبالتوازي مع ذلك، تظهر تحولات في لغة تصميم الويب، فترى عودة للألوان الأحادية (Monochrome) كوسيلة لتقليل الضجيج البصري. وتظهر الأنظمة المرنة والمتحركة التي تعطي الأولوية للتعبير على حساب الكفاءة. وتصبح البُنى المعيارية أكثر وضوحًا، حيث يُكشَف البناء بدل إخفائه. وبرأيي، قد يكون هذا أيضًا استجابة لانتشار قوالب التصميم الجاهزة التي رفعت الإنتاجية لكنها قلّلت من التعبير الفني. المهم هنا ليس ما إذا كانت هذه الخيارات "أفضل" أو "أسوأ" تصميميًا. إنها إشارات كما في المشاهد السابقة تخبرنا شيئاً
ويصبح هذا التوتر أكثر وضوحًا في الفن
مع ازدياد قدرات الأدوات التوليدية، أصبح بالإمكان إنتاج الصور فورًا بأي أسلوب تقريبًا. لم تعد المهارة التقنية نادرة. ومع ذلك، وبدل أن تختفي التعبيرات الإنسانية، يبدو أن هذا الوفرة أطلقت استجابة معاكسة. عبر المجتمعات الإبداعية، نشهد اهتمامًا متجددًا بأعمال تحمل آثار الصنع الواضحة. الرسم اليدوي. الخطوط الخشنة. الخزف. الطباعة. الزّينات (Zines). الكولاج. والتركيبات الفيزيائية. أعمال تُظهر العملية، والتردد، والزمن
هذا التحول لا يمثل رفضًا للفن المُنتج بالذكاء الاصطناعي. فالعديد من الفنانين يواصلون استعماله، كما أن المؤسسات الثقافية تعرض أعمالًا مولّدة باستخدام هذه الأنظمة. لكن إلى جانب هذا يظهر توقٍ موازٍ لأعمال لا يمكن استنساخها فورًا. وقد لاحظت منشورات التصميم والثقافة تركيزًا متزايدًا على الحِرفة، والمادية، والعمل اليدوي في المعارض والفعاليات الإبداعية، وفسّرت ذلك بوصفه رد فعل على ثقافة بصرية آخذة في الأتمتة. في هذه الأعمال، لا تأتي القيمة من الصقل. بل من الأثر. من ضربات الفرشاة.. من المواد.. من الدليل على مرور الزمن. حيث يختصر الذكاء الاصطناعي الزمن إلى ثوانٍ، يعيده العمل اليدوي إلى امتداده الطبيعي. ما يبدو أن الناس يستجيبون له ليس ما إذا كان العمل جميلًا، بل ما إذا كان يبدو عليه أنه "معاشًا". هذا لا يشير إلى عودة تقليدية بدافع الحنين.بل إلى إعادة تقيم للمعنى
عندما تصبح عملية الخلق سهلة إلى هذا الحد، يصبح الجهد نفسه تعبيرًا. ونرى كثير حسابات لفنانين صاعدين تركز على مشاركة الكيفية وليس فقط الناتج النهائي. في هذا السياق، لا يُعد عدم الكمال خللًاً بل دليلًاً عل ى الانسان! وهذا الانتباه المتجدد للأثر الإنساني يعكس ما نراه عبر التكنولوجيا والتصميم والسلوك: رغبة في إعادة الاتصال بما هو ملموس، مقصود، ومجسّد
ماذا يعني هذا لممارسات البحث والتصميم
عندما نتراجع خطوة إلى الوراء وننظر إلى هذه الإشارات مجتمعة، يبدأ نمط أوسع بالظهور. ما نراه هنا ليس رفضًا للتكنولوجيا، ولا عودة بسيطة إلى صيغ قديمة. بل استجابة لأنظمة أصبحت أكثر تجريدًا، وأكثر أتمتة، وأصعب على الأفراد في فهم منطقها أو تتبع تأثيراتها. التكلفة البيئية، والمحتوى المُصنَّع، واستخراج البيانات، وتوحيد التصميم ليست قضايا منفصلة. بل هي نتائج مترابطة للمنطق نفسه: منطق التسارع المستمر
من منظور التفكير المنظومي، يبدو التحول الانالوجي أقل كونه "اتجاهًا"، وأكثر كونه شكلًا من أشكال تكيّف المستخدم. كلما زادت درجة التعقيد وقلت قابلية الرؤية، بدأ الناس بالبحث عن طرق تعيد الوضوح. ينجذبون إلى تجارب يشعرون أنها مفهومة، ومحدودة، ومرتكزة على الواقع
ومن خلال هذا المنظور، تبدأ شخصية (برسونا) جديدة في التشكّل. هذه الشخصية التي تُلاحظ في الغالب داخل دول الشمال العالمي ليست مستبعدة رقميًا، بل متمكنة رقميًا. تفهم المنصات، والخوارزميات، وأنظمة الأتمتة. استجابتها لا تنبع من الخوف، ولا من نقص الوصول، بل من التشبّع. هي لا تطالب بتكنولوجيا أقل، بل بتكنولوجيا يمكن فهمها، ومساءلتها، وتناسب المقياس الإنساني. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الشخصية لا تظهر في فراغ بل تنشأ ضمن شروط محددة: بنية تحتية مستقرة، وانتشار رقمي عالٍ، ووعي متزايد بالتكاليف البيئية والبيانية غير المباشرة
أما سؤال إذا كانت مشاعر مشابهة تتشكل في السياقات العربية؟ فلا يزال ذلك إلى حد كبير غير معروف. فرغم أن المنطقة تشترك في العديد من الضغوط الخارجية نفسها مثل ارتفاع الطلب على الطاقة، وشح المياه، والتوسع السريع في البنية الرقمية إلا أن الأبحاث التي تستكشف كيف ينظر الناس هنا إلى هذه المفاضلات ما تزال محدودة. لا نملك حتى الآن فهمًا كافيًا عمّا إذا كان الإرهاق الرقمي، أو القلق من الذكاء الاصطناعي، أو الانسحاب الانتقائي يظهر بالطرق نفسها، أم أن الفوارق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية تنتج استجابات مختلفة كليًا. هذا الفراغ المعرفي يمثل فرصة ضائعة كبيرة
بالنسبة للممارسين، تحمل هذه الإشارات دلالات عمَلية
بالنسبة لمراكز البحث، والمؤسسات، والشركات العاملة في المنطقة، فإن غياب الفهم المحلي يعني أن كثيرًا من القرارات تُبنى على سرديات عالمية قد لا تنطبق بالكامل على الواقع المحلي. أو افتراضات وآراء شخصية. فهم كيفية اختبار الناس للثقة، والتكنولوجيا، والحضور، والاستخراج داخل سياقاتهم الخاصة ليس ذي قيمة أكاديمية فحسب، بل ضرورة استراتيجية
أما بالنسبة للباحثين في التصميم، تشير هذه الإشارات إلى أهمية دراسة، ليس فقط لحظات التفاعل، بل أيضًا لحظات المقاومة، والتجنّب، والتقليل. ما يتوقف الناس عن فعله، وما يقومون بكتمه، وما ينسحبون منه، قد يكون غنيًا بالمعنى بقدر ما يتبنّونه. أما لمصممي تجربة المستخدم وفرق المنتجات، فهي تتحدى افتراضًا راسخًا مفاده أن المزيد من التفاعل يعني بالضرورة قيمة أعلى. فالسرعة، والأتمتة، والتدفقات الخالية من التوقف قد تحسّن الكفاءة، لكنها في الوقت نفسه قد تُضعف المعنى أو الثقة دون أن يكون ذلك ظاهرًا فورًا
وبالنسبة لمالكي المنتجات، والمديرين، وقادة الأعمال، تدعو هذه الأنماط إلى إعادة تأطير مفهوم القيمة ذاته. مؤشرات النمو، ومدة التفاعل، وكفاءة الأتمتة تلتقط جزءًا فقط من التجربة الإنسانية. أما الثقة، وقابلية الفهم، والاستدامة العاطفية فهي أصعب قياسًا، لكنها أصبحت أكثر مركزية في الحفاظ على الصلة طويلة المدى
في المقال القادم، سأتناول هذا المشهد بشكل تطبيقي، من خلال التركيز على كيفية تحويل هذه الإشارات إلى مناهج بحث، وأطر استراتيجية، وقرارات تصميم عملية. سيكون ذلك دليلًا عمليًا للباحثين في التصميم، وممارسي تجربة المستخدم، ومالكي المنتجات، والمديرين، ورواد الأعمال، ويتضمن ممارسات وتمارين وأوراق عمل يمكن للفرق استخدامها للتأمل، والتقييم، وتطبيق هذه الأفكار داخل مؤسساتهم
هذا المقال لا يسعى إلى تعريف عصر جديد، ولا إلى فرض اتجاه محدد. إنه فقط يرسم الخريطة أدناه
خريطة المشهد للإشارات الناشئة
تُظهر هذه الخريطة إشارات ناشئة لا السلوكيات السائدة. وتمثل المواقع فيها علاقات وتوترات، لا تقدمًا أو أحكامًا قيمية