نظامك بواجهات متعددة. هل تراها كلها؟
حكمك كونته، قبل أن تتفاعل مع أي شخص أو قناة من النظام. المدخل أخبرك شيئاً وطابور الانتظار أخبرك بشئ من المؤسسة. المسافة بينك وبين مكتب الاستقبال حددت قربك وبعدك من مهمتك، وتحيرك في إيجاد مكان تقف فيه، وجودة الإضاءة في المبنى تضيء أو تخفت على رأيك. كل هذا يتواصل معك على مستوى الوعي والانتباه، قبل التفاعل مع أول نقطة تفاعل مصممة.
هذه الفكرة ليست بجديدة فقد أرست ماري جو بيتنر عام 1992 هذه الفكرة عبر إطار حيث وثّقت كيف تُرسل البيئات المادية إشارات عن هوية المؤسسة قبل أن تبدأ أي عملية خدمة. وإذا كنت ذا إطلاع على مجالات في البحث التجريبي، التحليل المكاني ترى أن هذه المجالات قد لا تتحدث مع بعضها البعض ولكن تظهر الأبحاث المختلفة سواء كنا في المتاحف أو المستشفيات أو البنوك أو المباني الحكومية أن التصميم المكاني يتنبأ بالسلوك لدرجة جيدة وبذلك نرى تأكيد هذا النمط نوع المبنى لا يغيّر هذا منطق فأين يتحرك الناس، وكم يمكثون، وما الذي يصادفونه، وما الذي يثقون به نستطيع التنبؤ به عبر التصميم المكاني.
فزائر المتحف الذي لا يستطيع من أو وهلة توجيه نفسه وفهم مخطط بشكل عام سيفوّت معارض بأكملها بصرف النظر عن قيمتها ويكثر التجوال وعكس المسار مع قدوم المعلومات خلال المسار بشكل متفاوت.
والمواطن الذي يدخل مبنى حكومي صُمّم وفق منطق الجهات الداخلية لا وفق مسار الإنسان، يدخل من غرفة لغرفة ويطلب من الذهاب لغرفة آخرى أو حتى مبنى آخر فيصل إلى مكتب الخدمة الماردة وقد استهلك جهده قبل أن تبدأ أي محادثة. وكذا عميل البنك الذي ينتظر في طابور يقول له ضمنياً إن وقت النظام هو ما يحدد المدة التى سيمكثها سيحمل تلك القراءة إلى كل تفاعل لاحق.
وهنا نصطدم بنقطة جوهرية كثيراً ما تُغفل: حتى في البيئات التي يتشابك فيها الرقمي مع المكاني، كالأكشاك والشاشات التفاعلية وأجهزة الخدمة الذاتية داخل المباني، يظل التصميم المكاني المحيط بهذه الأجهزة يعمل باستقلالية. تستطيع قراءة أبحاثي في هذا المجال.
وخلال عملي في هذا الميدان خلال عقد من الزمان أستطيع أن أخبرك كيف يُحلّ عادةً: فـقد تُضاف لافتات إرشادية زائدة، أو يُكلَّف فريق ما بعمل تطبيق توجيه رقمي ، أو قد يُوضع موظف استقبال عند المدخل، في مستشفى بريطاني رأيت أنهم وظّفوا مجموعة متطوعين دورهم بأكمله أن يعوّضوا ما أخفق المكان في توصيله. وإذا كنت شديد الملاحظة فستجد أن كل حل من هذه الحلول هو طبقة فوق النظام تُضيف تكلفة. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل وضع شخص عند الباب يعالج الجذر، أم يجعل الحل المؤقت دائماً؟
في منشوري السابق المشكل في استراتيجيات التحول الرقمي التي تغفل المكان (متوفر بالعربية والانجليزية) تحدثت عن الفجوات في استراتيجيات التحول الرقمي وكيف ممكن تتعرف عليها في متوفر بالعربية والانجليزية)مؤسستك.
المملكة العربية السعودية برؤية 2030 تقوم ببناء واحدة من أكثر منظومات قياس تجربة الخدمة تطوراً في العالم, سواء في الجهات الحكومية أو المؤسسات الثقافية والسياحية والصحية وغيرها. فقد رصدت هيئة الحكومة الرقمية في دراستها الصادرة عن استراتيجيات التحول الرقمي خمسمئة وستة نقاط ألم، ومئتين وخمسة وثلاثين هدفاً استراتيجياً، وأربعمئة وتسعين مبادرة عبر قطاعات حكومية ثمانية. والاستراتيجية الوطنية للحكومة الرقمية تنص صراحةً على أن الهدف هو تقديم "خدمات حكومية عالمية المستوى تلبي احتياجات المواطنين بكفاءة وفاعلية." هذا طموح حقيقي وطموح واسع النطاق. وانطلاقاً منه لا بدّ أن نُرسي: تجربة المواطن ليست رقمية أو مكاني فحسب. هي مجموع الرقمي، والمكاني، والمكاني-الرقمي حين يجتمع كلاهما في مكان واحد. فقياس واحدة من هذه وتعميمها على التجربة ككل يخلق نقطة عمياء في عدة أماكن.
تصميم الخدمات واستراتيجية التجربة بنيا هياكل المساءلة حول الرقمي. خرائط الرحلة تبدأ من التطبيق. التدقيق يقيس النقرات ومعدلات الانسحاب. أُطُر تعدد القنوات تُسمّي “المكان” قناة، ثم تُحوّله إلى عمليات لوجستية وأنظمة بيانات داخل المباني. أما الطبقة المكانية بتكوينها، منطقها الاجتماعي، والأجهزة الرقمية في البيئة المكانية لا مالك حقيقي لها، ولا مقياس، ولا مقعد على طاولة الاستراتيجية.
ومن المبادئ التأسيسية في تصميم الواجهات أن تعكس المنظومة الرقمية منطق العالم الفعلي. وهذا يعني أن الواجهة الرقمية المتماسكة تفترض مسبقاً وجود منطق مكاني متماسك تعكسه. فإن كان المبنى يتحدث بلغة متضاربة، ورثت الواجهة الرقمية تلك الاضطراب قبل أن يُصمَّم فيها سطر واحد من الكود.
مؤشر نضج التجربة الرقمية بشكله الحالي يشمل في تعريفه الأكشاك وأجهزة الخدمة الذاتية ضمن القنوات الرقمية ولكن ما يقيسه هو جودة التفاعل مع تلك الأجهزة. أما المسار المكاني الذي يسبق الوصول إليها، وما يُرسله لك على طريق وصولك إليها، فهو خارج إطار القياس الحالي. وهذا هو الحدّ الطبيعي لأداة صُمّمت لغرض محدد.
الفجوة ليست في النية. النية واضحة وطموحة. الفجوة في أداة القياس: مؤشر نضج التجربة الرقمية يقيس ما صُمّم لقياسه بدقة. السؤال الذي يطرح نفسه وبشكل طبيعي مع نضج هذه المسيرة هو: هل تغطي أدوات القياس التجربة الكاملة التي يعيشها المستفيد؟
عندما أثير هذه النقطة، يكون الميل غالبًا إلى قراءتها كحجة معمارية وإحالتها إلى المهندس أو فرق التشغيل ولكنها ليست كذلك. التكوين المكاني هو آلية بحد ذاته. والفشل ليس مكاني بل هو في الحوكمة. لا أحد في المؤسسة مسؤول عمّا يوصله المكان. فالمقاييس قد تعكس تميزاً رقمياً حقيقياً بينما تجربة الفرع أو مركز الخدمة تحكي قصة مغايرة، فهذا ليس استثناءً يُفسَّر بل إشارة إلى طبقة لم تدخل بعد في أطر القياس.